يوسف المرعشلي

1001

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

غرفة للشيخ جمال الدين القاسمي ، ورابعة للشيخ محمد علي مسلم ، فكان المترجم يتردد إلى هذه الغرف ، وينهل من علم أصحابها . لازم الشيخ أحمد النويلاتي ، فقرأ عليه « شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك » ، وحفظ بتلقينه مقامات من كتاب « أطواق الذهب » للزمخشري . ولما كان الشيخ النويلاتي قد أتقن قراءة القرآن فقد استفاد منه جودة النطق بالحروف من مخارجها الأصلية ، إضافة إلى استفادته من كريم أخلاقه . وكان النويلاتي في معيشته زاهدا ، وفي غرفته نظيفا ، وهو منقطع عن الناس والأهل والولد . وفي هذه الفترة المبكرة تفتحت آفاق التفكير عند صاحب الترجمة ، وصار يلقح ثقافته الشخصية العربية والإسلامية بما تلقّاه في المدرسة من العلوم الكونية ، وبما يضيفه إليها من مطالعاته المتواصلة في دار الكتب ، وفي غرف للقراءة أسستها جمعية القديس يوحنا الدمشقي الأرثوذكسية في مدخل حي النصارى ، وكانت تأتي إلى هناك المجلات الكبرى ولا سيما المقتطف والهلال والضياء وغيرها ، ثم بما يقتنيه هو شخصيا من الكتب الإسلامية . وأحب العرب والعربية وأعجب بالعربية ، ورأى للعرب ما ليس لغيرهم وخاصة في لغتهم العظيمة ، وساعدته مؤلفات ابن تيمية في التعرف إلى الإسلام من ينابيعه الأصلية الصافية المجردة من البدع والضلالات ، ورأى أن اللّه خص العرب والذي تطبعوا بسجاياهم ، واندمجوا في فضائلهم خصّهم بصفات ومنزلة تجعلهم مسؤولين عن القيام بأمر العقيدة ، وأنهم أصحاب رسالة . هذه العقيدة ظلت ثابتة في قلبه وعقله طوال حياته . وكان يعرّف - وهو لا يزال في فترة الدراسة الثانوية - زملاءه من الأذكياء ولداته وأقرانه بهذه الرسالة ، ويقرأ لذلك الكتب الجديدة لأمثال عبد الرحمن الكواكبي ، ومحمد عبده ، ويعيد قراءة ما يراه متفقا مع آرائه مشتركا في القراءة مع بعض الطلاب يختارهم من بين زملائه فتكوّن لديه حلقة صغيرة مع رفاقه يلقحها بالأفكار التي كانت تطرح في حلقة شيخه الشيخ طاهر الجزائري . وبدأ صاحب الترجمة في تلك الفترة أيضا يمرّن قلمه على بعض المقالات العلمية ، والقطع الأدبية يعربها عن اللغة التركية ، ويرسل بما يترجمه وما يكتبه إلى صحيفة « ثمرات الفنون » في بيروت برئاسة الشيخ أحمد حسن طباره ، ويوقع على المقالات بالحروف الأولى من اسمه ، ثم ما لبث أن وقع باسمه الصريح لما أنس القبول . ولما كان في السنة السادسة بمكتب عنبر وهي السنة قبل الأخيرة رأى أحد المدرسين الذين لا توافق أفكاره أفكاره في درجه كتبا تحوي قصائد وكتابات تتغنى بالحرية ، وتمجد بها ، فنقل الأمر للإدارة ، وأجري معه تحقيق حسموا له على أثره درجتين من السلوك ، وتعمدوا أن يرسبوه في امتحان الدور الأول ، ولما خشي من التحامل عليه في الدور الثاني طلب نقله على حالته إلى بيروت ، فقدم فيها الدور الثاني ونجح بتفوق ، وأتم فيها سنته السابعة وهي الأخيرة . وبانتقاله انتقل كثيرون من الطلاب معه ومنهم جميع الأمراء الشهابيين . وكان له في بيروت نشاطه الأدبي والقومي خلال تلك السنة حتى نال الشهادة في 6 جمادى الأولى سنة 1323 ه . ثم قصد الآستانة مباشرة مبحرا من مرفأ بيروت ، ملتحقا بكليتي الآداب والحقوق معا . ونزل في حي ( جنبرلي طاش ) ، وهو الحي الذي يكثر فيه أبناء العرب وطلّاب العلم والوظائف : لقربه من المدارس ، ومن الباب العالي ومن مشيخة الإسلام . وقد هاله أن يرى الطلاب العرب في تركيا يجهلون قواعد لغتهم ، وإملاءها فضلا عن آدابها وثقافتها ، ويتكلمون فيما بينهم باللغة التركية ، وليس لأحدهم رسالة سامية في الحياة ، ولا مطمع إلا أن يجيد اللغة التركية ويندمج في أهلها ، ثم يكون مستعبدا للوظيفة التي يرجو الحصول عليها ، فأخذ يعمل مع طلائع الشباب العربي ، ويبث في نفوس الطلاب العرب حب العربية ، ويتدارس معهم تاريخ التمدن الإسلامي ، وتخيّر من الشباب طائفة أقنعها بتعلم العربية وآدابها ، واتفق مع صديقه الأمير عارف الشهابي أن يقتسما هؤلاء الشباب لتعليمهم ، وتقوية لغتهم الأم ، وكان التعليم بالمجان ، ثم كاشف صاحب الترجمة هؤلاء الشباب أنّ ما هم فيه يبشر بنهضة